الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
523
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الوفاء به كما لا يخفى . ثم إن قوله عليه السّلام : " ولكنه جعل " ، إلى قوله : " تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد له أهلا ، " يدل على ما قلناه من أن هذا الحق يكون تفضلا منه ومنّة كما لا يخفى ، فظهر أنه ليس لأحد على اللَّه حق ، لأن الخلق عباده وأرقّاؤه ، وكل ما لهم من النفس والأعضاء والأموال فهو ملكه تعالى ، بل حركاتهم وسكناتهم وخطرات قلوبهم كلها للَّه تعالى وحده كما قال : قل إن صلوتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه ربّ العالمين . لا شريك له 6 : 162 - 163 ( 1 ) . وفي الدعاء أيضا : " بيدك زيادتي ونقصي ، " فإذا كان الخلق كذلك فكيف يستحقون بأعمالهم من اللَّه شيئا ، بل كل ما لهم فهو تفضل منه تعالى لهم ومنّ منه تعالى عليهم ، فالحق الثابت للخلق مطلقا فكما هو لهم يكون عليهم أيضا ، لأنه منه تعالى لا من ذاتهم ، وهذا بخلاف الحق الذي له تعالى فإنه له تعالى لا عليه كما لا يخفى . وقوله : " أسألك أن تدخلني في جملة العارفين بهم ، " سؤال منه تعالى أن يدخله في جملة العارفين ، أي لا يكون ممن يدّعي معرفتهم ، بل يكون ممن اعتقد بمعرفتهم ، وبالاعتقاد بهم وبمعارفهم يدخل الإنسان في العارفين لهم ، ومعرفة الشيء تمييز الشيء بتمام خصوصياته بحيث يمتاز عمّا سواه . والمراد من معرفتهم هو الولاية الإلهية والإمامة والخلافة الثابتة لهم بتمام معانيها من الولاية التكوينية والتشريعية التي مرّ مرارا ذكرها وشئونها ، فهذه المعرفة الكائنة فيهم عليهم السّلام كالجبلة لا يمكن المعرفة بها لأحد كما هي هي إلا لهم عليهم السّلام كما تقدم من قوله عليه السّلام : " إن أمرنا لا يحدّ . . إلخ ، " وأما غيرهم فكل على حسبه وعلى مقدار ما منحوها له ، ومع ذلك تكون معرفتنا بالنسبة إليهم وما هم فيه كنسبة القطرة إلى البحر . وأما وجه تخصيص أن يدخله اللَّه تعالى في العارفين بهم دون العارفين به تعالى
--> ( 1 ) الأنعام : 162 - 163 . .